Bienvenue


Bienvenue sur le blog de ABDELGHANI AMMARI... blog qui est aussi le vôtre
Oui, le vôtre : parce que , un blog est avant tout un espace collectif de discussion, de partage et d'échange. Vos commentaires, questions ou remarques sont donc les bienvenus






بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، مارس 17، 2012

كيف تسنّ القوانين في مجتمع ديمقراطي؟...الولايات المتحدة نموذجاً



كيف تسنّ القوانين في مجتمع ديمقراطي؟...الولايات المتحدة نموذجاً

غوردون موريس باكين

 المصدر: أصدقاء الديمقراطية-20-6-2006

" يتطابق جوهر القانون في أي زمن ، بدرجة متقاربة جداً، وضمن ما يصل اليه من مدى، مع مفهوم ما هو ملائم وممكن؛ لكن شكل وألية تطبيق القانون ودرجة قدرته على تحقيق النتائج المرجوة منه، تستند بنسبة كبيرة الى ماضي ذلك القانون ".
أوليفر وندل هملمز جونيور ، كتاب القانون العام (1881).
إجتمع الأميركيون لصوغ القوانين منذ العهد الاستعماري، ويستمرون في وضعها بهدف المحافظة على مجتمع حسن التنظيم . رغم تطور الإجراءات المحددة لإصدار القوانين على مر القرون ، فقد بقي وضع القوانين بطريقة. ديمقراطية متأثراً بضرورة الحصول على موافقة الشعب، وبوجود نظام من الضوابط والتوازنات ، وتحقيق المرونة في السياسة العامة تناسب مشاكل الزمان والمكان خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر أرسل الاميركيون مندوبين الى المجالس التشريعية في العهد الاستعماري لوضع القواعد اللازمة لتنظيم العلاقات اليومية، الاقتصادية والاجتماعية بين المواطنين كان من الممكن في تلك المجالس تحديد أين يجب إنشاء طريق او مناقشة الأمور التي تشكل مصدر إزعاج عام واتخاذ القرارات بشأن هذه الأمور كان إنشاء طرق المواصلات يسهل عمليات التبادل التجاري وشكل التخلص من النفايات الزراعية أكثر من مسألة جمالية، كما ان المسألتين تؤثران على صحة مجتمع حسن التنظيم. في القرن التاســـــع عشـــــر ، اجتمع الأميركيون في ولاية ميزوري لوضع قواعد لتنظيم كيفية سير قوافل العربات. هدفت " قواعد الطريق " هذه الى ضمان حماية هذه القوافل في مسارها على امتداد رحلات لآلاف الأميال الى ساحل المحيط الهادي. وعندما وصلت أفواج المنقبين عن الذهب الى مناجم الذهب في ولاية كاليفورنيا ، تركوا قوافل عرباتهم ولكنهم تجمعوا مجدداً لوضع قواعد تتعلق بمناطق التعدين المحلية. أراد هؤلاء المنقبون عن المعادن تأســيس مجتمع حسن التنظيم يحمي مشاريعهم ويؤمن ازدهارها. وفي كاليفورنيا ، وفي القرن الحـــادي والعشــرين ، لايزال الناس يتجّمعون لإدخال تعديلات على القواعد القانونية، وذلك من خلال الإعلان المسجل للمواثيق ، والشروط ، والتقييدات لما هو مسموح به من تعديلات على حقوق الملكية للذين يقطنون ضمن مشروع سكني. كان لأصحاب الأملاك هؤلاء سلطة تخولهم إصدار القواعد الضرورية لإقامة مجتمع حسن التنظيم. وكان أصحاب الأملاك. والمواطنون ،والمطالبون بتحقيق الحلم الأميركي، يجتمعون في قاعات البلديات ، ومباني الكونغرس ،والمستوطنات الحدودية ، أو في غرف الجلوس الفارهة في المدن الأميركية لوضع القوانين الخاصة بتنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. يستمر صدى هذا الموروث في مؤسســاتنا المحلية، وعلى مستوى الولايات ، وكذلك القومية التي تعني بوضع القوانين.
أصول التقاليد القانونية في الولايات المتحدة
تـُشكل العملية اليومية لصنع القوانين جزءاً من عملية تاريخية يعود أصلها الى إنجلترا عندما أدخل المستعمرون الانجليز الى الولايات خلال الحقبة الاستعمارية إرث وضع القوانين الذي أتو به معهم ، فإنهم أجروا عليه تعديلات معينة لكي تلاءم هذه القوانين بيئتهم الجديدة. منح ملك إنجلترا براءات امتياز الى أصحاب أملاك فرديين ، والى شركات مساهمة عامة يملك أسهمها أصحاب أعمال لمختلف المستعمرات ، مما وفر لهؤلاء درجات متفاوتة من سلطات وضع القوانين . ولكن كان لدى كافة المستعمرين الإنجليز قوانين دون براءات قائمة او تشريعات استعمارية. فقد كان لديهم دستورهم القديم ، القانون الإنجليزي غير المكتوب المعروف باســم "القانون الإنجليزي العام " الذي يمنع الحكومة من الإساءة لحقوق المواطنين الإنجليز. يضمن هذا القانون العام ما يسمى بميثاق الحقوق الأعظم ، وهو الميثاق الذي صادق عليه الملك جون عام 1215، والذي ضمّن استعمال الإجراءات القانونية ، وحماية حقوق الملكية، والمحاكمة من قبل هيئة محلفين. شكلت العلاقة بين الملكية الشخصية والحرية المحور الحاسم للقانون الإنجليزي القديم، حصلت الملكية الخاصة للأراضي على تعريفات وحمايات قانونية خاصة بها، منذ القرن الرابــــع عشــــر . لكن التاريخ الإنجليزي والتجربة الاستعمارية الأميركية خلقاً إدراكاً واضحاً في أذهان الأميركيين بحيث لايمكن تعديل الحقوق في الملكية وفي ممارسة الحرية الشخصية الا بموافقة شعب ذي سيادة .
إن للرأي القائل بأن الحكومات تستمد شرعيتها من موافقة الشعب الذي تحكمه ، أصولاً قديمة في التاريخين اليوناني والروماني ، وقد زاد أوائل المنظـــرين السياسييـــن الأوروبيين المعاصرين قوة كبيرة الى المفهوم القائل بأن السيادة تكمن في الشعب. عزّز المســتوطنون الأميركيون في عصر الحرب الثورية هذا المفهوم بزيادة مدى سلطة الحكومة بدرجة أكبر. وجدت هذه الحقوق المحفوظة طريقها الى قوانين الحقوق التي وضعت في الولايات وعلى المستوى القومي. عند تعاملهم مع كيف يمكن منع الحكومات من الدوس على الحقوق من خلال تجاوزها للسلطة المفوضية إليها من قبل شعب سيّد ،أنشأ المندوبون الأميركيون إلى المؤتمر الدستوري الأميركي ، سواء كانوا من الولايات أو على المستوى القومي ، أنظمة للضوابط والتوازنات الداخلية ،وذلك في إطار مبدأ الفصل بين سلطات تشريع القوانين . بموجب هذه الأنظمة يتمتع كل فرع من فروع السلطة باستقلالية في تشريع القوانين ، ولكن هذه السلطات سوف تكون متشابكة بحيث تقيد مدى سلطة المؤسســات المختلفة وذلك ضمن نظام يوفرّ مشاركة شعبية واسعة ( في صنع القوانين).
توسيع مدى سلطة القانون
خلال التاريخ الأميركي تفاوت مدى المشاركة الشعبية الواسعة في الحكم. عند تأسيس الدولة، كان أصحاب الأملاك البيض والذكور هم العنصر المشارك الوحيد في صناديق الاقتراع وفي دوائر وضع القوانين . في القرن التــــاسع عشــــر، ألغيت شروط ملكية الأراضي لممارسة حق النساء ، والعبيد من الأفارقة الأميركيين ، والهنود الأميركيين ، والآسيوييــن. تعاظمت الحملة من اجل تحقيق المساواة خلال القرن التـــاسع عشــــر وانتصرت في القرن العشرين. نظمّت النساء صفوفهن على المستوى المحلىّ للضغط على المشرعين من أجل الحصول على حقوقهن. وانضمت النساء الى جمعيات مناهضة للرق وأعلنّ طلب المساواة في سينيكا فاليز العام 1848، ثم تحرّكن غرباً حيث وجدن أرضا أكثر خصوبة للحقوق السياسية. وفي مناطق ولايتي وايو منغ ويوتاه،حصلت النساء على حق التصويت عامي 1869 و 1870 وحصلت النساء أيضا في العام 1849 على حقوق الملكية استناداً لممارسة القوانين الإسبانية المكسيكية في كاليفورنيا ، ولكنهن لم يحصلن على حق التصويت هناك الا في العام 1911. وكان على النساء ان يعملن لتعديل الدستور الأميركي في العام 1920 للحصول على حق الاقتراع على المستوى القومي .كسب الأميركيون الإفريقيون حق المواطنة بموجب التعديل الرابــع عشـــر للدستور العام 1868، وكسب الأميركيون الإفريقيون الذكور حق التصويت بموجب التعديل الخـــامس عشـــر في العام 1870. ولكن كان على الأميركيين الهنود الانتظار حتى العام 1924 للحصول على حق المواطنة او حق التصويت ، في حين لم يحصل المهاجرون الآسيويون على حق المواطنة الا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. اعتبر أطفال الآسيويين ومجموعات المهاجرين الآخرين المولودين في الولايات المتحدة مواطنين بفعل ولادتهم ، ولكن لم يحصل أباؤهم على حق الجنسية بالنسبة للمهاجرين الصينييــن الذين استثنوا من حق المواطنية بموجب القانون منذ العام 1870، فقد وسّع الكونغرس حقوق تجنسهم العام 1943 كجزء من المجهود الحربي ضد اليابان . أما بالنسبة للمهاجرين اليابانييــن ، فقد منحهم قانون ماكاران والتر العام 1952 مثل هذا الحق .رغم ذلك، وبغض النظر عّما إذا كانوا يملكون حق التصويت أم لا ، فقد كان الأميركيون يتقدمون بعرائض الالتماسات الى هيئات صنع القوانين لإدخال التغيير فيها . اشتركت النساء والأميركيون الإفريقيون ، حتى قبل حصولهم على حق الاقتراع ،في نشاطات لإدخال التغيير فيها . اشتركت النساء والأميركيون الإفريقيون ، حتى قبل حصولهم على حق الاقتراع ، في نشاطات الشؤون العامــة، وفي العملية السياسية من اجل تقديم العرائض ، والاحتجاجات ، والموافقة عن الحقوق والمدافعة . ان واقع انفتاح هيئات وضع القوانين تجاه هذه المشاركة الديمقراطية من عملية تكوين السياسة العامة يجب ان تكون شاملة ، مع ان ذلك تم وفق وتيرة اعتبرها الكثير من المشاركين في ذلك الوقت غبر مرضية.
كانت الفلسفة السياسية السائدة في القـــرن الثامـــن عشـــر هي أحد أسباب التردد في اعتماد حق التصويت لجميع الناس.كان للنموذج الإنجليزي ، كما للكثير من النماذج السائدة في دول أخرى من العالم في ذلك الوقت ، ملك ذكر ، وبرلمان وقضاة كلهم من الذكور المتأثرين بنظريات الحكم والحقوق المشتركة المستمدة من ملكية الأراضي التي يملك الرجال معظمها. رغم ذلك ، كان هناك قدر كبير من النظريات والخطابات السياسية التي تبحث في الحقوق والحريات تعتبر ضمنياً بأن هناك قيماً عامة لجميع الناس. لذلك شكلت حقوق الرجال الإنجليز ، كما فسرها الأميركيون في أميركا ، الأساس الدستوري لإعلان الثورة العام 1776 من أجل إنقاذ الدستور القديم لإنجلترا من الاستبداد والمحافظة على ما وعد الأميركيين به. أما كيفية تحقيق هذا الهدف في الممارسة ، فهذه كانت مهمة المندوبين المجتمعين في مؤتمرات دستورية فدرالية وعلى مستوى الولايات.
في المؤتمرات الدستورية على مستوى الولايات أواخر القـــرن الثــــامن عشـــر ، دوّن المندوبون وثائق بلورت ووسعت حقوق المستوطنين الأميركيين بطرق مختلفة. قامت ولاية ماريلاند بتخفيف شرط مؤهلات الملكية للمشاركة في انتخابات المندوبين الى مؤتمرها الدستوري . وأنشات ولاية جورجيا الية لتقديم عرائض الالتماس ادت الى وضع دساتير جديدة لهذه الولاية في الاعوام 1789 و 1794 و 1797. احتوى دستور العام 1797 على الية لتعديله عوضاً عن الية تغييــر للمواثيق. بدأت ولاية مساتشوستس تنفيذ عملية في العام 1776 أدت الى زيادة سلطة الشعب في إجراء تغيير دستوري . طلب المجلس التشريعي في ولاية مساتشوستس تنفيذ عملية في العام 1776 ادت الى زيادة سلطة الشعب في اجراء تغيير دستوري . طلب المجلس التشريعي في ولاية مساتشوستس ( عُرف باسم المحكمة العامة) من البلدات في الولاية ان تخوّله سلطة وضع دستوري في جلسته القادمة . كانت البلدات ، وليس اغلبية الناخبين . هي التي تحكمت بمصير هذا الاقتراع .
وبالتالي رفضت بوسطن وثمــــاني بلدات اخرى . سلطة المجلس التشريعي لوضع قانون اساسي للولاية .
لكن خلال السنوات التالية، خولت البلدات المحكمة العامة ( المجلس التشريعي ) بالعمل بموجب سلطة البلدات للتصديق على دستور.
لكن في نهاية المطاف ، رفضت البلدات هذه الوثيقة ، وكان مواطنوها ينتخبون دون أي تقييدات بالنسبة للملكية العقارية العادية. في العام 1779 قبلت هذه المحكمة العامة سلطة المواطنين الذين ينتخبون في بلداتهم في انتخاب مندوبين الى مؤتمر دستوري . وفي النهاية ، تم التصديق على دستور مساتشوستس للعام 1780 إستناداً الى هذه المؤتمر ، وقد أنشا هذا التصديق وتاريخه عدة مبادئ:
أولاً، مؤتمرات المندوبين المنتخبين هي ضرورية لوضع الدساتير.
ثانياً، يجب ضمان حرية وصول الشعب الى هذه العملية من خلال عمليات الانتخاب والتعديل.
وأخيراً، على الشعب ان يملك السلطة النهائية، المستندة الى صناديق الاقتراع، في التصديق على الدستور.
الحرية والملكية
شكل دستور مساتشوستس جزءاً من الظروف المؤثرة على المندوبين الذين اجتمعوا العام 1787 في فيلادلفيا دستور فدرالي . تمثل جزء أخر رئيسي من هذه الظروف في تطور العلاقة بين الحرية والملكية الفردية في معادلة وضع القوانين . كان للفلسفة السياسية للفيلسوف الانجليزي جون لوك ،الذي عاش في القرن الســــابع عشــــر، تأثير كبير على التفكير الاميركي بشأن هذه العلاقة .أكد لوك ان الشعب يوافق على العيش في كومنولث كي تتمكن الحكومة من تطبيق القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية. شملت حقوق الإنسان بطبيعتها امتلاك الحرية والملكية. احتضن الآميركيون هذه الفكرة بصورة وثيقة بحيث اعتمد خطابهم السياسي والدستوري مفاهيم قانون الملكية عند الإشارة الى الحرية الشخصية نفسها : فالأميركيون يّمكنهم امتلاك حريتهم . اعتقد لوك أيضاً أن الحياة كما الملكية ، يعتمدان على الملكية الشخصية، لكن الاستخدام الفردي للملكية عليه الآ يتضمن الهدر أو استثناء أفراد أخرين من الوصول إلى الطبيعة وخيراتها. وهكذا واجه المندوبون إلى المؤتمر الدستوري العام 1787، من بين مسائل أخرى ، مسألة كيفية تأمين حماية أفضل لثمار الحرية التي يُعبر عنها حق الملك الخاص مع حق وصول الشعب إلى خيرات الأرض في نفس الوقت. وضع هؤلاء المندوبون في الدستور الأميركي شكلاً جمهورياً للحكم يوازن بين المصالح، ويحتوي عناصر إقامة حكومة مختلطة. يدمج مفهوم الحكومة المختلطة بين العناصر التاريخية لكل من الحكم الملكي ، والأرستقراطية، والحكومة الشعبية. يميل كل واحد من هذه الأشكال الثلاثة للحكم إلى التحيّــز لذاته. فإن هي تُركت دون مراقبة دستورية فقد تقود كل منها إلى شكل متطرف من الاستبداد ، أو حكم الأقلية، أو حتى الديمقراطية. كما قد تقود كل من هذه الميول لاستلام السلطة إلى تهديد حرية الناس بملكياتهم الخاصة، رغم ذلك، فإن كلاً من هذه المصالح تحتاج إلى نظام من الممثلين لها للمحافظة على مجتمع حسن التنظيم. ينص الحل الذي اعتمده المندوبون إلى المؤتمر الدستوري على فصل السلطات بين فروع الحكم لكنه أنشأ مع ذلك تشابكاً في وظائف الإدارات الحكومية. ومن المهم أن هذا التشابك أقام نوعاً من التعادل بين الإدارات الحكومية إذا احتفظ كل فروع من فروع الحكم بسلطة كافية لموازنة سلطات الفروع الأخرى.
وضع القوانين على المستوى القومي
كانت الهيئة التشريعية القومية، في الشكل الذي اتخذته في القــــرن الثــــامن عشـــر ، مؤلفة ولايات الأعضاء في مجلس النواب وذلك بطريقة الانتخاب الشعبي المباشر. في الأصل ، كانت المجالس التشريعية في الولايات هي التي تنتخب أعضاء مجلس الشيوخ في ذلك الوقت، هدف المندوبون إلى المؤتمر الدستوري الفدرالي إلى موازنة مصالح الفئات الأقل غنّى مقابل مصالح أصحاب الأملاك ففضلّوا طريقة انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ من قبل المجالس التشريعية في الولايات ، وذلك بغية تأمين تمثيل مصالح أصحاب الأملاك في مجلس شيوخ الولايات المتحدة ولم يصبح أمر أنتخاب أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي مباشرة بأيدي الشعب إلا بعد التصديق في العام 1913 على التعديل الســـابع عشـــر للدستــور.بموجب الدستور ، يتشكل الكونغرس من مجلس النواب ومجلس الشيوخ ، ويتمتع بسلطة وضع وتصديق القوانين. يملك رئيس الولايات المتحدة سلطة تنفيذ هذه القوانين. وفي حين أن الدستور لم يذكر ذلك صراحة، فيحق للرئيس المبادرة بتشريع قوانين من خلال قيام أعضاء حزبه بطرح مشاريع قوانين في الكونغرس . تملك السلطة القضائية الفدرالية سلطة تفسير هذه القوانين، وما لبثت المحكمة العليا أن أدعّت بأنها تملك سلطة ضمنية في أن تعلن عدم دستورية هذه القوانين . ويحق للرئيس أيضاً رفض التصديق على قانون ما مستخدماً حق النقض (الفيتــو)، ولكن من جهة أخرى يستطيع الكونغرس أن يتجاوز هذا الرفض. أما القوانين التي تعتبر غير دستورية، فيمكن للكونغرس تغييرها لمعالجة اعتراضات المحاكم ، ولكن يستطيع الكونغرس أيضاً المبادرة بتشريع تعديل دستوري أذا رغب في إلغاء قرار تتخذه المحكمة العليا الأميركية .يميل نظام التشابك في السلطات هذا إلى المحافظة على الحقوق الفردية والحماية لحقوق الملكية الخاصة في نفس الوقت.
وضع القوانين على مستوى الولايات
تطوّر نظام وضع القوانين في الولايات المتحدة على مستوى الولايات بحيث تكون لكل ولاية هيكلية حكومية مماثلة لباقي الولايات، ولكنها تتبع تقاليد مختلفة في وضع القوانين. تجتمع المجالس التشريعية في بعض الولايات سنوياً وتقضي معظم أوقات السنة في تشريع القوانين. أما في ولايات أخرى. فتجتمع المجالس التشريعية كل سنتين لدورات قصيرة جداً.تتماثل سلطة هذه المجالس التشريعية في التشريع عن طريق إصدار القوانين مع سلطة الكونغرس في إصدار قوانين لازمة للبلاد ككل.هناك في بعض الولايات أحكام دستورية تضمن التعديل الشعبي المباشر لدستور الولاية، أو لوضع قوانين عن طريق المبادرة والاستفتاء الشعبي، وهما طريقتان تسمحان للمواطنين العاديين باقتراح قوانين وأنظمة وطرحها للتصويت الشعبي خلال الانتخابات التي تجري في الولاية.
وضع القوانين: فصل السلطات
بغض النظر عما إذا تم التشريع أو التعديل الدستوري بواسطة العمل الشعبي المباشر أو العملية التشريعية، فإن هذا الآمر يخضع للمراجعة القضائية. في التقاليد الخاصة بالولايات، كما في التقاليد الفدرالية، تملك المحاكم سلطة مراجعة التشريعات لتعزيز ما إذا كانت تتوافق مع أحكام الدستور . ولكن، تبعاً لمفهوم الضوابط والتوازنات، لا تكون للمحاكم استقلالية تامة عن باقي فروع النظام السياسي . يُنتخب في كثير من الأحيان قضاة محاكم الولايات بصورة دورية ويتم تعيين القضاة الفدراليين لمدى الحياة، ورغم ذلك فالقضاة في محاكم الولايات والمحاكم الفدرالية معرضون للعزل والمقاضاة بسبب سوء السلوك وذلك على يد السلطة القضائية في الحكومة. تحت ظروف معينة يكون لحاكم الولاية سلطة تعيين القضاة في ولايته . واليوم فقد أصبح شائعاً أن تقوم المحاكم في الولايات بوضع نوع من القوانين من خلال إصدارها الأحكام في القضايا المرفوعة إليها. إن الاختلاف  الأساسي بين وضع المجالس التشريعية للقوانين ووضعها من قبل المحاكم ، هو أنه لايمكن للمحاكم إصدار الأحكام إلا بشأن القضايا المرفوعة إليها من قبل المتنازعين.تملك المجالس التشريعية مجالاً أوسع كوضع القوانين لكنها، مع ذلك ، تكون مقيدة بأحكام الدستور كما بتقاليد القانون العام الإنجليزي . عند إصدار أحكامها في القضايا المرفوعة إليها، تأخذ المحاكم في اعتبارها النص الصريح للدساتير، وأحكام الدعاوي السابقة، وتقاليد القانون العام، والسياسة العامة.
والخلاصة أن النظام الأميركي لوضع القوانين يستند في الأساس إلى سلطات متشابكة، إذ تقوم الولايات ودساتير الولايات ضمن نظام فدرالي يسيطر عليه الكونغرس، والرئيس، ونظام المحاكم الفدرالية ويقيّـده الدستور الأميركي فمثلاً، تعطي فقرة التجارة في الدستور الفدرالي الكونغرس الأميركي سلطة " تنظيم التجارة مع الدول الأجنبية وبين الولايات المتعددة" فسرتُ المحكمة العليا الأميركية هذا النص بأنه يمنع الولايات من تنظيم التجارة بين الولايات وكذلك التجارة ضمن الولاية بطرق تعيق التجارة بين الولايات. في العام 1964 أدى هذا التفسير لفقرة التجارة الى توسيع سلطة الكونغرس في تنظيم المرافق العامة للسكن، وذلك بموجب قانون الحقوق المدنية للعام 1964 الذي يمنع التمييز في تأجير الغرف في الفنادق .يعتمد تأثير هذا التشابك والتفاعل بين مصالح الولايات والمصالح الفدرالية، عند الممارسة الفعلية، على ظروف لا حصر لها. سوف يصور المثال التالي هذا الآمر. فمثلاً، لايملك الكونغرس سلطة صريحة لتوجيه الولايات حول كيفية تقرير حدود سرعة سير السيارات على طرقها. يكمن هذا القرار في أيدي المشرعين في الولايات، ومجالس المقاطعات، والمجالس البلدية في الولاية، استنادا إلى توزيع السلطات بموجب دساتير وقوانين الولايات . في القرن العشرين حددت بعض الولايات السرعة القصوى على الطرق السريعة عند 65 ميلاً بالساعة للسيارات، و 55 ميلاً بالساعة للشاحنات المقطورة. قررت ولايات أخرى إن سرعة 75 ميلاً في الساعة على الطرق السريعة ذات المسارات المتعددة هي أفضل. تـُحدد الولاية غير كثيفة السكان التي لديها مسافات شاسعة بين المدن حدود السرعة عند ما هو " معقول " حسب الظروف. فقيادة السيارة في ولاية مونتانا بسرعة 70 ميلاً بالساعة أو 120 ميلاً بالساعة يعتمد على أوضاع الطريق وظروف القيادة لا تختلف حدود هذه السرعة عما هي في القيادة على الطرق السريعة (الأوتوبان) في ألمانيا. لكن عندما واجهت أميركا أزمة طاقة في السبعينات من القرن الماضي وأعتقد أعضاء كثيرون في مجلس الشيوخ بأن المحافظة على الطاقة تتطلب فرض حدود سرعة على المستوى القومي لا تتجاوز 55 ميلاً بالساعة، أستخدم الكونغرس سلطة سيطرته على الإنفاق لإقناع المشرعين في الولايات بتغيير قوانين الولايات. قال الكونغرس للولايات ببساطة إنه في حال لم تغير قوانين السرعة السير فيها لتتوافق مع سرعة 55 ميلاً بالساعة، فأنها لن تحصل على ملايين الدولارات التي تخصصها الحكومة الفدرالية لصيانة الطرق السريعة. ما لبث وأن ألتزم الأميركيون بحدود سرعة 55 ميلاً في الساعة في كافة الولايات. كان أمام المشرعين في الولايات خيار فاختاروا طريق الدولارات الفدرالية.
قانون السياج والنظام الفدرالي
إن البقر السارحة على طرق ولاية مونتانا اليوم هي مثال آخر على تنوع عملية وضع القوانين التي تطورت ظمن النظام الفدرالي. فمسألة السماح للمواشي بحرية العدو دون قيد هي مسألة قديمة بقدم أميركا. كان على المشرعين المستعمرين تقرير ما أذا كان من واجب مالكي قطعان الماشية زرب حيواناتهم خلف سياجات لحماية محاصيل، وجنائن المزارعين. يشكل إنشاء السياجات كلفة عالية على مالكي قطعان الماشية، وكذلك يشكل السماح للماشية بأن تعدو طليقة كلفة على المزارعين بسبب الأضرار التي تلحق بمحاصيلهم. لكن وجد المزارعون علاجات تستند إلى القانون العام ضد مالكي المواشي، أي في حال تمكن المزارع من الإمساك بالحيوان، وتقييده وتحديد مالكه، فيمكنه بهذا الشكل مقاضاة مالكه أمام المحكمة.
ما لبث  أن أختار المشرعون إصدار قوانين تعرض على مالكي المواشي إنشاء سياجات،وحددت هذه القوانين ما هو السياج القانوني. أستمر هذا التقليد عبر أميركا إلى أن وصلت حركة الاستيطان في القرن التاسع عشر إلى منطقة السهول الكبرى، وهي المنطقة الجافة نسبياً الواقعة غرب خط الطول 100 . شيّد مالكو المواشي في الولايات الشرقية الكثيفة الأشجار سياجات، وقرر مراقبو السياجات في المدن ما إذا كانت تتوافق مع القانون، وأستمر المزارعون المتضررون في مقاضاة مالكي قطعان الماشية أمام المحاكم. لكن توفر الآن لمالكي المواشي الذين أقاموا سياجات قانونية وسيلة للدفاع ضد مسؤوليتهم عن المحاصيل المتضررة. ففي منطقة السهول الكبرى سعت صناعة مواشي المراعي في القرن التاسع عشر والمصالح المتعلقة بها إلى احتواء التكاليف استنادا إلى الإقرار التشريعي، لقانون المراعي المفتوحة وتمكنت من فرض أعادة النظر بمتطلبات إنشاء السياجات. بموجب هذه القوانين، فرضت على مالكي المحاصيل والجنائن نفقات التسييج بموجب القانون إن هم حاولوا تحصيل تعويضات عن الأضرار التي تسببها المواشي. مع أفول صناعة مواشي المراعي في الثمانينات من القرن التاسع عشر خفت الحاجة على مر العقود إلى قانون المراعي المفتوح. لكن إستمرت بعض الولايات، في القرن العشرين مثل مونتانا، بالالتزام بهذا القانون.
واليوم يرى السائقون على الطرق السريعة بين الولايات في ولاية مثل مونتانا أنها مسيّجة على نفقة مكلفي الضرائب، ليس بسبب قوانين المراعي المفتوحة في الولايات الغربية بل لحماية سائقي السيارات الأميركيين من الخطر، فتسعى الدولارات الفدرالية إلى حماية السائقين والركاب من الأذى. يندر وجود سياجات على الخطوط السريعة في ولايات المراعي المفتوحة وتقام لافتات لتحذير السائقين من احتمال وجود ماشية على الطرق. وكما يتبيّن من الخليط المعقد لقوانين التسييج وقوانين الطرق السريعة ، فلكل من الهيئات التشريعية أن كانت محلية، أو على مستوى الولاية أو الفدرالي ضمن النظام الأميركي سلطات وأدوار مختلة للمحافظة على مجتمع حسن التنظيم.
صنع القرار بطريقة ديمقراطية
     للشعب الأميركي تاريخ طويل من الالتزام بقوانين البلاد. في جزء منـه، يكون هذا الالتزام الطوعي نتيجة لتقليد توفير فرص إشراك المواطنين في عملية وضع القوانين على مستويات عديدة. رغم التنوع السكاني والثقافي في الولايات المتحدة ، فأن النظام السياسي للانتخابات الديمقراطية ، والهيئات التمثيلية لوضع القوانين ، وإمكانية أشراك عامة الناس في هذه العملية جميعها وقرت للشعب الأميركي المساهمة في وضع القوانين، كما أعطته الثقة في استقرار الحقوق الشخصية وحق الملكية. تباينت عبر القرون كيفية تعريف وحماية الحقوق الشخصية وحق الملكية ، ولكن حتى يومنا الحاضر مازال الناس يضعون القوانين، أن كانوا جيراناً مجتمعين في مجمع سكني ، أو في غرفة جلوس ، أو في قاعة البلدية لبلدة في الريف الأميركي، وذلك لإدراكهم بأن المحافظة على مجتمع حسن التنظيم يتطلب اهتماما شخصياً بعملية اتخاذ القرار بطريقة ديمقراطية .
رغم الاحتمال في عدم أمكانية تطبيق التجربة الأميركية في كل مكان، فان المبادئ الأساسية لصنع القوانين بطريقة ديمقراطية هي نفسها موافقة المحكومين، وإشراك الشعب في كافة مستويات وضع القوانين، وتأمين الوصول المفتوح إلى عملية وضع القوانين بغض النظر عما أذا كان يتم ذلك من خلال التصويت، أو تقديم طلبات الالتماس، أو رفع دعاوى قضائية، أو المراجعة القضائية للقوانين، والقواعد، والأنظمة الإدارية، وأعمال السلطة التنفيذية، أو من خلال الاعتماد على المبدأ الأساسية للحكم .
تشمل هذه الأمور الأساسية الضوابط والتوازنات التي تعمل ضمن مؤسسات الحكم، والشكل الجمهوري للحكم، والانتخابات الديمقراطية . لدى الحكومة الفدرالية وحكومات الولايات العاملة بموجب دساتيرها، سلطات متشابكة قائمة على التقليد القائل بأن الحكومة هي من ، ومن قبل ، ومن أجل الشعـب .
و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.


تقرير ندوة نظمتها الجمعية المغربية للدراسات القانونية و السياسية


عماري عبد الغني : الكاتب العام للجمعية المغربية للدراسات القانونية و السياسية

تقرير عن ندوة نحت عنوان:
" الانتخابات ورهان الانتقال الديمقراطي في ظل الدستور الجديد "
بتاريخ 29 أكتوبر 2011 بقاعة الندوات بمقر جهة مكناس

بعد تنظيم يوم دراسي حول آفاق التعديلات الدستورية بالمغرب  بتاريخ بتاريخ 8 06 ماي 2011،  افتتحت الجمعية المغربية للدراسات القانونية والسياسية الموسم الجديد لأنشطتها العلمية بندوة تحت عنوان" الانتخابات ورهان الانتقال الديمقراطي في ظل التعديلات الدستورية"
وقد أطر الندوة التي ترأسها الدكتور أحمد أجعون، أستاذ بكلية الحقوق بمكناس، وحضرتها نخبة معتبرة من الأطر العليا والباحثين والفاعلين المدنيين والبرلمانيين كل من الأساتذة:
-         عبد الرحمن العمراني عن الاتحاد الاشتراكي،
-         عبد العزيز أفتاتي عن العدالة والتنمية،
-         محمد الأنصاري عن حزب الاستقلال
-         المصطفى مريزق عن حزب الأصالة والمعاصرة.

بعد التقديم للبرنامج والترحيب باسم الجمعية، تناول الكلمة الأولى الأستاذ مصطفى مريزق في مداخلة بعنوان الانتقال الديمقراطي بين الطموح والواقع، وقد تعرض فيها لمفهوم الانتقال الديمقراطي كعملية انتقال تغيير متدرج متعدد الأبعاد، مما يجعله بعيدا عن مفهوم الثورة أو الرجة، ولصيق بمعاني مثل التمديد والتمطيط.
كما أوضح أن تطبيقات هذا الانتقال تختلف من بلد لآخر، ومرتبط بمجموعة من المؤشرات والبراديغمات. وكدليل استرشادي تطرق لحالة البرتغال التي تداخلت فيها العديد من العوامل والمؤشرات الداخلية والخارجية التي يصعب تحققها في حالة أخرى، فضلا عن عامل الزمن والمراحل التي يمكن أن تستغرقها عملية الانتقال، ونسبية الانتقال في حد ذاته.
ليخلص المتدخل في الأخير، أنه لا توجد وصفة جاهزة للانتقال الديمقراطي، وتبقى المسألة في نظره محط بحث، ورهينة بوجود مشروع مجتمعي يستقطب المواطنين المؤهلين.
بعد كلمة ممثل الأصالة والمعاصرة، تدخل الأستاذ عبد العزيز أفتاتي القيادي في العدالة والتنمية منتقدا منهج التسطيح والتعميم، ومستشهدا بقول المهدي بنبركة: أن "السياسة الحقيقية هي سياسة الحقيقة"، ليعلن منذ البداية أن المنحى الذي يتجه إليه المغرب هو إعادة إنتاج جديد للسلطوية، وليس انتقال ديمقراطي، والأسباب تعود بحسبه إلى مؤشرات عديدة من بينها ضبابية المشهد السياسي، غياب المصداقية، اعتماد أنصاف الحلول، بداية الولائم  السياسية، معتبرا أن من يقف في وجه الانتقال الديمقراطي هو أجهزة الدولة من خلال العديد من الآليات من أبرزها خلق مرتزقة وكومبارس سياسيين، والقمع بيد من حرير.
ويبقى الاتجاه الصحيح والطبيعي حسب نظره هو الاستفادة من تراكمات الأحزاب المناضلة وحركة 20 فبراير، والاعتراف بمن هم خارج اللعبة بما فيهم العدل والإحسان، ليخلص في الأخير أن ما يشهده العالم العربي هو ثورة حقيقية لن تستثني أي بلد.
تناول بعد ذلك الكلمة الأستاذ عبد الرحمن العمراني، النائب البرلماني السابق عن الاتحاد الاشتراكي، مركزا في تدخله على إشكالية رئيسية تتعلق بعدم التوازن بين حالة النصوص وواقع النخبة، و هو ما أسماه بسخاء النصوص ومعضلة النخبة، ولتحليل  فكرته قام بتحقيب العلاقة بينهما إلى ثلاثة مراحل:
-         من سنة 1975 إلى سنة 1997 : عرفت تقدم النخبة على النصوص، وهو ما  جعل أنه بالرغم من فقر نصوص تلك المرحلة، استطاعت النخبة السياسية تحقيق طفرة نوعية خصوصا على مستوى النصوص المتعلقة بالحريات.
-         من سنة 1997 إلى سنة 2002: وعرفت نوعا من التوازن، هو ما أسفر ما اعتبره بداية الانتقال السياسي مع حكومة عبد الرحمن اليوسفي
-         من 2002 إلى المرحلة الراهنة: وعرفت فيها النخبة نوعا من الانفصام أو التأخر عن النصوص.
معضلة النخب هذه، حسب المتدخل، هي من سيحدد المشهد السياسي، وهي معضلة لا تبعث على التفاؤل خصوصا في ظل العديد من المؤشرات، من قبيل الاستقالات من مجلس المستشارين للتقدم للانتخابات النيابية، إعادة نفس الوجوه التي مجها الذوق العام، اللجوء إلى الكولسة بدل اعتماد المساطر القانونية في اختيار المرشحين، ويبقى أخطر مؤشر سيكون محبطا لعملية الانتقال هو نسبة المشاركة كشرط ضروري لنجاح العملية.
أما المداخلة الرابعة فكانت من نصيب محمد الأنصاري الذي تراوحت مداخلته بين التفاؤل والتشاؤم مؤكدا في نفس الوقت على تطور النصوص الانتخابية التي ساهم في وضعها كرئيس للجنة التشريع، وقد مثل لذلك ببعض المستجدات التشريعية التي عززت من تمثيلية المرأة، وإشكالية الجمع بين المهام، والإشراف القضائي. غير أن الأنصاري بدوره أكد على أن بعض الممارسات غير القانونية مازالت قائمة كالحملات السابقة لأوانها، واستعمال المال السياسي...، الشيء الذي لا يخدم العملية الديمقراطية، وقد يعصف بما اعتبرها قد تكون الفرصة الأخيرة للقطع مع الماضي.

بعد ذلك تم فتح النقاش أمام للحضور،هذا الأخير الذي عكس مستوى عالي من النقاش العلمي، دون أن يفقد الجو ما يقتضيه الموضوع من سخونة في بعض الفترات.

وفي ختام الندوة تم تقديم إصدار علمي لأحد أعضاء الجمعية المغربية للدراسات القانونية والسياسية، ويتعلق بمؤلف بعنوان "رقابة المجلس الأعلى للحسابات على المال العام بالمغرب" للأستاذة عادلة الوردي.

الثلاثاء، مايو 03، 2011

القداسة الملكية في سياق التطور الدستوري

حسن هويوة
أدت سياسة إدماج مفهوم القداسة في إطار دولة عصرية إلى دسترة مفهوم القداسة التي لا ينحصر نطاقها في مستوى الذات الشخصية للملك بل يشمل التصرفات والأقوال الملكية.



القداسة المتعلقة بشخص الملك

لقد ظلت شخصية الملك عبر التاريخ المغربي تحظى بمكانة خاصة في البيئة الاجتماعية والسياسية وتعد رمزا من رموز وحدتها وتوحدها. ومنذ الإرهاصات الدستورية الأولى قبل الحمابة نص مشروع دستور 1908م على أنه: "يجب على كل أبناء السلطنة الطاعة للإمام الشريف والاحترام لذاته، لأنه وارث البركة الشريفة".

وبعد الحصول على الاستقلال أكدت جميع الدساتير التي عرفها المغرب منذ بداية الستينات على القداسة الشخصية لجلالة الملك في الفصل 23، إذ ينص هذا الأخير على أن " شخص الملك مقدس لا تنتهك حرمته". فهذا المقتضى الدستوري يجعل شخصية الملك مقدسة لا يجوز انتهاك حرمتها، فهي في منأى عن كل مساس جسماني أو أخلاقي وعن كل مسائلة أو متابعة قضائية عن أي فعل، لكون جلالة الملك بإمارته للمؤمنين معني بحرصه على عدم ممارسة كل ما من شأنه الإخلال بهبة موقعه المتميز الضامن لحفظ حقوق الأفراد والجماعات في نطاق رمزية ميثاق البيعة والمقتضيات الدستورية.

ومن أجل ضمان الاستقلال المادي لجلالة الملك نص الفصل 22 من الدستور الحالي على وضع ميزانية خاصة بالملك ،تسمى بالقائمة المدنية، وهذه الميزانية تكون تحت تصرف جلالته قصد تمكينه من أداء وظائفه على أحسن وجه ولا تخضع للمحاسبة أو المراقبة.

كما أن الحصانة البرلمانية تسقط في حالة قيام العضو البرلماني بما يخل بالاحترام الواجب لجلالة الملك وبقدسية ذاته الشريفة. فحرية إبداء الرأي البرلماني تنتهي عندما يتعلق الأمر بمواقف أو أقوال تتضمن مساسا بالقداسة الشخصية للملك وتطاولا على مقامه . وبناء على هذا الخطأ الجسيم المخل بالاحترام الواجب للملك يصبح العضو البرلماني مرتكبه موضوع متابعة أو توقيف أو إلقاء القبض عليه بدون أن يصدر بشأنه إذن من البرلمان، بل إن هذا القبض أو هذه المتابعة قد تتم أثناء انعقاد الدورات البرلمانية أو خارجها، بحيث ينص الفصل 39 في فقرته الأولى من دستور 1996 في هذا الصدد على ما يلي: "لا يمكن متابعة أي عضو من أعضاء البرلمان ولا البحث عنه ولا إلقاء القبض عليه ولا اعتقاله ولا محاكمته بمناسبة إبدائه لرأي أو قيامه بتصويت خلال مزاولته لمهامه ما عدا إذا كان الرأي المعبر عنه يجادل في النظام الملكي أو الدين الإسلامي أو يتضمن ما يخل بالاحترام الواجب للملك".

وهكذا يبقى جلالة الملك محصنا ضد كل نقد أو مساس بشخصيته الذاتية أو المعنوية، وكل تجاوز لحصانته يعد اعتداء سياسي خطير وخطأ جسيم يعرض صاحبه لأقصى العقوبات. وهذا ما يجد دعمه في القانون الجنائي الذي يعاقب على جريمة الاعتداء على شخص الملك أو محاولة الاعتداء عليه بالقول أو باليد أو الاعتداء الذي يكون الغرض منه القضاء على النظام الملكي وحمل السلاح ضده.

كما أن الظهير المتعلق بقانون الصحافة تناول بدوره مسألة الحصانة الشخصية للملك وجعل منها قيدا جوهريا ضابطا لحرية العمل الصحافي، بحيث لا يجوز أن يصدر عنه في شكله أو مضمونه ما يعبر عن وجود تجاوز لكرامة الملك وعائلته من خلال تصوير أو كلام أو حديث جاري أو لاذع أو تنقصه اللباقة والتقدير الواجب للملكية،

إن قداسة شخصية الملك وحرمتها كانت تتطابق في حقيقة الأمر في بعض معانيها بما جرت عليه التقاليد والأعراف المغربية من تقديم فروض الطاعة والاحترام الخاص لمتولي منصب الإمامة و مخاطبته والتحدث عنه بكل تقدير واحترام في نطاق حرصه على المصالح الدينية والدنيوية العليا

ولئن كان مفهوم القداسة الشخصية للملك وجد سنده المرجعي سسابقا في تأويل حقيقة الانتماء لآل البيت وتجسيد إمارة المؤمنين التي تشكل إحدى الدعائم لتثبيت شرعية الدولة المغربية وتكريس استقلالها الديني والمذهبي عن الخلافة المشرقية ، فإن هذا المنطلق التاريخي لابد أن يتفاعل وينسجم مع روح الديمقراطية الجديدة والتطور الحاصل واقعيا في حال المؤسسة الملكية مما يقتضي إبداع صيغة جديدة تتجاوز المفهوم التقليداني لقداسة شخصية الملك وتحقق المضمون الدستوري لرمزية جلالة الملك وحفظ الاحترام الواجب لشخصيته ، خاصة أن مفهوم القداسة يفتقد إلى الانسجام مع التأويل الفقهي السني ومقتضيات الانسجام مع دين الدولة الذي لا يقبل نطاق القداسة للأشخاص مهما علا شأنهم، بما لا يعني عدم الإقرار بأهمية عنصر المحبة والاحترام والتقدير لشخص الملك كلما كان حريصا على الإبداع والاجتهاد في تنمية الشؤون العامة

كما أن الانسجام مع دلالة و شروط ورمزية التطور لملكية دستورية برلمانية ديموقراطية مواطنة حريصة على إمارة المؤمنين والانفتاح المتجدد على العصر والتقدم يقتضي تجاوز مفهوم القداسة التي لا تليق حتى بالتعامل الإنساني التلقائي الجديد لجلالة الملك الذي بات يكسبه رصيدا من التقدير والاحترام المعزز للوحدة والاستقرار والمحفز على تقوية شرعية الإنجاز والتنمية

القداسة المتعلقة بتصرفات الملك

تتجلى القداسة المرتبطة بالتصرفات الملكية في استبعاد المسؤولية السياسية للملك رغم أن هذا الأخير يمارس سلطات تنفيذية واسعة إما بصفة مباشرة من خلال المجال المحفوظ له أو بصفة مباشرة من خلال حكومته. كما تتجلى هذه القداسة في عدم جواز مناقشة مضمون الخطاب الملكي الموجه للبرلمان أو الأمة، سواء من طرف هذه الأخيرة أو من طرف ممثليها انسجاما مع فحوى الفصل 28 من الدستورالحالي الذي ينص بالخصوص على ما يلي: " للملك أن يخاطب الأمة والبرلمان ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش".

وجدير بالذكر أن الصيغة الأولى لهذا الفصل كما كانت واردة في دستور 1962 تنص على ما يلي: " للملك أن يخاطب البرلمان والأمة، ولا يمكن أن يكون مضمون ما يخاطبهما به موضع نقاش من طرف البرلمان" ويعني ذلك أن الدستور يمنع إجراء مناقشة برلمانية بعد توجيه خطاب ملكي إلى الأمة أو البرلمان ، غير أن هذا الفصل سيصبح أكثر وضوحا وحسما في تعديل 1970.

ويترتب على هذا تحصين التصرفات والأقوال الملكية وضرورة احترام الشعب المغربي أفرادا وجماعات للتوجيهات الواردة في فحوى الخطاب الملكي الموجه للأمة، لما يتصف به من قوة رمزية تحكيمية ملزمة وكذلك إجبارية التزام البرلمان بمضمون ما جاء في الخطاب الملكي الموجه إليه. إذ يعد هذا الخطاب بمثابة برنامج ملكي توجيهي يتعين على نواب الأمة الامتثال له والعمل على تنفيذه وصياغته في قوانين دون مناقشته أو تقديم تعديل عليه.

لنصل إلى التأكيد على أن الخطاب الملكي هو بمثابة تشريع يكتسي قوة إلزامية مطلقة. مما يضفي صيغة قانونية ملزمة على كل تصريح أو أمر يصدر عن جلالة الملك، بغض النظر عن نشره أو عدم نشره في الجريدة الرسمية أو أية وسيلة أخرى. وهذا ما أخذ به الاجتهاد القضائي في قضية الزيوت المسمومة )21 أبريل 1961(

وإلى جانب الخطب الملكية المحصنة، فإن جميع التصرفات الصادرة من جلالته في صورة ظهير أو مرسوم كيفما كانت طبيعتها تشريعية أو تنظيمية،سواء في الحالات العادية أو الاستثنائية، لا يجوز أن تكون محل طعن أو رفض من طرف المحاكم على اختلاف درجاتها.

وترتب على قداسة التصرفات والأقوال الملكية عدة نتائج منها :

1-إضفاء صبغة قانونية ملزمة على جميع القرارات والمواقف والخطب والظهائر الملكية.

2-تحصين كل ما يصدر عن جلالة الملك من قول أو فعل ضد أي نقد أو مسائلة

3-استبعاد الطعن في القرارات الأحادية للملك التي تكتسي طابعا إداريا، انسجاما مع ما ذهبت إليه الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في بعض أحكامها، ونذكر منها على سبيل التوضيح ما عرف بقرار مزرعة عبد العزيز المتعلق برفض الطعن في مرسوم ملكي موقع من طرف الوزير الأول بناء على تفويض بالتوقيع، حيث رفضت الغرفة الإدارية بالمجلس اعتبار الملك سلطة إدارية، وبالتالي لا يجوز النظر في الطعون الموجهة ضد قراراته ولتصحيحالأمريمكن لصحاب الشأن اللجوء إلى جلالته على سبيل الاستعطاف

ومن الحيثيات التي استندت عليها الغرفة الإدارية تعارض صفة أمير المؤمنين الواردة في الفصل التاسع عشر مع إمكانية اعتبار سلطته إدارية . وقد وجد هذه التوجه القضائي دعمه من طرف بعض رموز الفقه الدستوري التقليدي.

والواقع أن مفهوم القداسة المتعلقة بالتصرفات الملكية بهذه المعاني والنتائج تجعل الحائز عليها متمتعا بحصانة مطلقة في كل أقواله وأفعاله، و تدفع البعض إلى إثارة وجود تيوقراطية في ممارسة السلطة ولو تلميحا لا تصريحا، مما يثير انتقادا له من جهة عدم ملاءمته مع الطبيعة النسبية للسلوك السياسي الإنساني الذي يحتمل الخطأ والصواب ومقتضيات الديموقراطية، ومن جهة تعارضه مع التأويل الديني السني للحكم ، بما هو تأويل يرفض فكرة عصمة تصرفات الحاكم في جوهرها.

بيد أن هذا الانتقاد الافتراضي يمكن الاعتراض عليه بالتأكيد على ضرورة النظر إلى أهمية الدلالة الدستورية المحصنة لتصرفات محددة للملك في نطاق الدستور والمصلحة العليا للبلاد على أنها تشكل قاعدة جوهرية تنسجم مع واقع التجارب الدستورية الديموقراطية و تساهم في حفظ الاستقرار السياسي لما تضفيه من رمزية ومكانة خاصة تليق بالمقام التحكيمي المفترض للملكية وتبعد عنها الصراع والمزايدات السياسية.

وقد بات من الواجب العصري والديموقراطي وتماشيا مع الإرادة الملكية السامية في خطاب 09 مارس الجرأة في تحجيم نطاق التصرفات والأعمال التشريعية والتدبيرية للملكية تقديرا لعبئ مسؤوليتها التي تسمو على تقلبات الزمن التشريعي والتدبيري و لصالح إقرار وتكريس المسؤولية السياسية والإدارية لباقي الفاعلين وتمييزها عن بعض المجالات والأعمال المحفوظة للملك والتي لا غنى عنها في كل الأحوال لتحقيق استمرارية سمو الثوابت الوطنية وتوسيع نطاق المحاسبة ورفع الحجب التي يمكن التحصن بها للإفلات من المحاسبة والعقاب.

ولئن كانت فكرة حصانة بعض الأعمال والتصرفات الدستورية الملكية الضامنة لرمزية التحكيم وحفظ حقوق وحرية الجميع ، بغض النظر عن تباين المواقف في تصور نطاقها، تحظى بإجماع غالبية القوى السياسية وقبول طوعي وتلقائي في المطالب الدستورية و السياسية الوطنية، فذلك لما تتميز به من صلابة دستورية وضرورة سياسية لا محيد عنها في كل الأحوال لاستبعاد المسؤولية السياسية للملك مقابل إبراز المسؤولية السياسية للوزير الأول باعتبارها حجر الزاوية ونقطة ارتكاز النظام البرلماني الديموقراطي.

الجامعة المغربية وسؤال الإصلاح: الموارد البشرية على المحك

أحمد حضراني
تقديم



يتغيأ من وراء إقرار التدابير الإصلاحية تأهيل الجامعة والارتقاء بالتعليم العالي إلى مستوى الطموحات والتحديات المطروحة في ظل الألفية الثالثة، خاصة وقد بوأ الميثاق الوطني للتربية والتعليم مسألة التربية، بشكل عام، مكان الصدارة والأسبقية( أولوية الأولويات ) بعد قضية الوحدة الوطنية على امتداد العشرية الحالية.



ولهذا فالجامعة ومؤسساتها مدعوة ،أكثر من أي وقت مضى، للدفع بقاطرة التنمية الشاملة إلى الأمام، والارتقاء بمشعل العلم على مستوى النوع والجودة في التكوين والبرامج والجودة في الموارد البشرية-طلبة وأساتذة وإداريين- وجودة في البنيات التحتية،والتجهيزات الأساسية للإدارة الالكترونية ،واستيعاب الآليات الحديثة للتكنولوجيا و تقنيات التواصل ،وعقلنة البحث والتأطير من خلال التحكم الدقيق في القواعد والقيم الأكاديمية والموضوعية، والصرامة والأمانة العلمية والنزاهة الفكرية من أجل خدمة أهداف سلمية، وقضايا وطنية تابثة، وترسيخ التربية على مبادئ المواطنة الملتزمة، والمساهمة في تطوير الحضارة الإنسانية، والتسلح بروح الحوار البناء، والاختلاف الديمقراطي الحضاري ، والانخراط في بناء عقد اجتماعي جديد ، مبني على أساس التماسك الاجتماعي وتكافؤ الفرص، وإذ لايختلف أحد على أن الجامعة هي رهان هذا الورش المجتمعي باعتبارها فضاء للحوار البناء،المرتكز على مبادئ التسامح وحقوق الإنسان وحرية التفكير والخلق والإبداع ،ولكي تظل الجامعة مقاولة لإنتاج المغامرة الفكرية والمواقف الريادية ، وفضاء للتجديد والحداثة والقيم الديمقراطية، ومشتلا لفرز النخب، فهذا لن يتأتـى إلا باعتماد خريطة طريق لجامعة مغرب اليوم والغد، لعل مدخلها الأساسي هو المورد البشري. ذلك أنه لا تنمية بدون علم وبدون الاهتمام بالعنصر البشري الذي هو هدف التنمية و أداتها.

وللتذكير فقد أصبح القاموس الحالي يزخر بتعابير تهيمن على الساحة الأكاديمية والإدارية والإعلامية...من قبيل "التدبير الجيد " (Management)، أو" التدبير الحكاماتي" (Gouvernance)، أو "تدبير الموارد البشرية" (G R H) عوض عبارة "تسيير الموظفين". وهذه المفاهيم لا تطلق على عواهنها، بل تحبل بمضامين وحمولات ،تتجاوز أنماط التسيير التقليدية ،وأشكالها المغرقة في المركزية والسلوكات البيروقراطية البغيضة، وتعتمد على المقاربة التشاركية ،وتقوم على الاعتراف بالعنصر البشري كطاقة ورأسمال وغائية، بغية أنسنة العلاقات الإدارية،و تستند في ذلك على معطيات وتصورات جديدة ،تستخدم آليات حديثة في التدبير، مرجعيتها الأساسية هي المعرفة، وإذ يلاحظ أن التقدم العلمي والتقني يتم بسرعة مذهلة، فقد أضحت معها الرساميل والمواد الخام غير كافية لتحقيق التنمية المنشودة، وأصبح المقياس الحقيقي للتقدم مبني على سلطة المعرفة، وامتلاك الخبرة والعقول البشرية، وتأهيل العنصر البشري. وخاصة إذا تعلـق الأمر بالموارد البشرية العاملة والفاعلة في المؤسسات الجامعية، والمفترض فيها أن تحمل مشعل الريادة والنموذجية في التدبير الجيد، للتحكم في عنصر الزمن وتعقيدات العصر وإدارة دفة التحولات. وتبعا لذلك فالمؤسسة الجامعية مدعوة أكثر من غيرها لتنخرط- وبشكل استباقي- في تنمية تدبير الموارد البشرية، بل إن هذه الأخيرة من أولوياتها، خاصة وأنها تتعامل مع طينة متميزة من الزبناء (طلبة)، ومنتجين يجسدون زبدة النخبة (أساتذة)، ومن وسطاء يحظون بالامتياز المعنوي في إدارة الشأن الجامعي (إدارييـن).



أولا : على مستوى الطلبـة



يمكن اعتبار المرحلة الجامعية بمثابة محطة أساسية لبناء شخصية الطالب ، وتعميق تكوينه ،وتحديد مساره ورسم معالم مستقبله، ،خليله الكتاب، وعنوانه المكتبة- التقليدية والرقمية- و نموذجه "الأستاذ"،وفي المقابل يظل الطالب هو رأسمال هذا الأخير وبطاقة تعريفه.

ولا شك أن برامج الإصلاح الجامعي تضع نصب عينها الطلبة كموضوع وهدف، سواء على مستوى التكوين والبحث، أو من ناحية الاندماج في المحيط الاقتصادي أو الاجتماعي، أو حتى من جانب المساهمة في جعل وتحويل التجربة الجامعية ورحاب المؤسسات الجامعية من أحسن وأحلى اللحظات العلمية والثقافية في حياة الطالب، لتكون ملائمة مع الفئة العمرية الشبابية ،ومواكبة لعتبة سنه المتميزة بالحماس والانطلاق.وهي الفترة التي وإن استغلت، وبتواصل ميداني وانخراط فعلي وفعال، من طرف الفاعلين القيمين على المعادلة البيداغوجية الجامعية في المغرب، ، وان كانوا يتوفرون بالفعل على حس وهم مجتمعي خالص وصادق.. لكانت فرصة سانحة لتكريس ثقافة المواطنة الحقة، والتأسيس الوجداني (السيكولوجي والسوسيولوجي) بالمواطنة والوطن.والعمل بالتالي على خلق المواطن الصالح المؤمن بروح الحوار البناء ، والمنفتح على الاختلاف والتحولات الكونية، والنابذ لكل أشكال التطرف والكراهية والمرتبط بالتالي بوطنه ومؤسساته. فالطلبة - الشباب – هم عماد الأمة، وجوهر نهضتها .



وعليه، وفي سبيل تحقيق هذه الغائية وهذا المطمح النبيل، فينبغي العمل ما أمكن وبكل الوسائل على تنويع أشكال التكوين المتاحة كما وكيفا، للاستجابة لكل الطلبات والمساهمة في سياسة جامعية ولوجية بكل المعاني، وانخراط الأساتذة بالخصوص لإنجاح المنظومة الجامعية، والإيمان بنجاعة وفعلية التكوين المندمج لتأهيل الطلبة لسوق الشغل، ولخدمة قضايـا بلدهم.

إضافة إلى دعم وتشجيع تنظيم مختلف الأنشطة الجامعية الموازية للطالب في مختلف المناحي الثقافية والفنية والرياضية وغيرها ؛لجعل "الوجبة الجامعية "متكاملة علما وفكرا وأنشطة ترفيهية، واستثمار الوقت الثالث للطالب وعدم ضياعه، أي جعل الجامعة فضاء للفكر والحوار، وتلقي المعرفة، واكتساب الروح العلمية والتأهيل للحياة العملية. وإن إرادة توفير وتعبئة ما هو متاح لتحقيق حياة جامعية متكاملة على المستوى الرياضي والفني والاجتماعي للطالب (الإيواء، التطبيب وتعزيز التغطية الصحية للطلبة) لكفيل بأن يجعل من المرحلة الجامعية فترة للذكرى الإيجابية (الانجذاب، الحنين...)، وهذا لن يتأتى إلا من خلال تفعيل قنوات التواصل مع الطلبة ،وتنظيم لقاءات معهم، والاستماع لآرائهم وتزويدهم بكافة الحقائق والمعلومات السليمة عن القضايا التوجيهية والتربوية ، والاستجابة لمطالبهم، أو على الأقل تحسسيهم بـالإكراهات والحلول المتاحة بطريقة موضوعية اعتمادا على الشرح والتبسيط والتوضيح. وان إقرار سياسة انغلاقية قد تفضي إلى دخول جهات خارجية على الخط للقيام بدور الاطفائي، والعمل على تبريد التشنجات والنزاعات، مما قد يمس في الصميم باستقلالية الجامعة ( على سبيل المثال الاحتقان الواقع بين مكونات كلية الطب والصيدلة بمراكش). فلا مندوحة من إقرار سلوك انفتاحي واندماجي للاهتمام بمشاكل الطلبة وتفهمها والعمل على إيجاد الحلول الممكنة لها، وجعل مصلحة الطلبة فوق كل اعتبار،وإعطائهم المثال والقدوة في الحضور الميدانــي، وإشراكهم في قضايا التدبير الممكنة ، خاصة وأن القانون خول الطلبة المشاركة في تسيير المؤسسات الجامعية عبر ممثليهم في مجالسها وهياكلها،بل إشراك الطالب في العملية البيداغوجية ،واعتماد مدونة أو ميثاق لأخلاقيات البحث العلمي داخل الجامعة،وتبني "ميثاق الأطروحة" أو "ميثاق البحث" الذي يوقعه الأستاذ المؤطر والطالب الباحث.

فطالب اليوم هو إطار اليوم،ومن ثمة إدراجه ضمن الموارد البشرية الأساسية في المعادلة الجامعية البيداغوجية، والحاجة ماسة وملحاحة لربطه بالمدرجات، وتجويد الخدمات المقدمة إليه وإلا فملاذه وديدنه هو عالمه الافتراضي .



ثانيا:على مستوى الأساتذة



يتبوأ الأساتذة مكانة لا يستهان بها داخل المجتمع بالنظر للرسالة التي تقع على عاتقهم، في تطبيق مختلف أوراش الإصلاح الجامعي من خلال الحرص على القيام بأنشطة التدريس والبحث والتأطير، والمساهمة في تحيين مضامين ومناهج التعليم .والعمل على تنمية البحث العلمي ،والرفع من قيمته ، وتتبع تقييم ومراقبة معلومات ومؤهلات الطلبة ضمن الهندسة البيداغوجية (الفصول، الوحدات، المسالك...)، وبمختلف الأسلاك والسنوات، فهذا يستدعي تكثيف الجهود وتضافر الإرادات ،وتعبئة القدرات من أجل ريادية ورش التعليم العالي، وتهيـئ الشروط الضرورية لإنجاحه. فالاهتمام بالتعليم والبحث العلمي ليساهم -إن وظف إيجابيا- في تحقيق النمو والنهضة المجتمعية. وفي سبيل تحقيق هذه الغائية النبيلة والارتقاء بجودة التعليم والبحث العلمي ونوعية التكوين وخاصة التكوين المندمج لتأهيل طلبة اليوم إلى رجال ومواطنين صالحين للغد، فإن هذا يستدعي من الأساتذة رفع مشعل التحدي للنهوض بـالأعمال المنوطة بهم وبشكل مسؤول وجدي . وهذا لن يكتمل إلا من خلال إبراز شخصية الأستاذ وإعطاء الطلبة المثال والقدوة في الاجتهاد والنقد البناء والفضول العلمي، وفي المظهر والسلوك، وهذا الهدف النبيل لن يتحقق إلا في ظل توفير شروط موضوعية ،وفي مناخ إداري وبيداغوجي مبني على تجسير أواصر الثقة والاحترام المتبادل بين المسؤولين عن الجامعات ومؤسساتها( رؤساء، عمداء،مدراء) وهيأة الأساتذة كأشخاص أو أجهزة وهياكل للتعليم والبحث العلمي (المجالس و اللجن الدائمة ...). ونهج سبل الحوار الدائم وسياسة تواصلية، واعتماد المقاربة التشاركية في إطار الإيمان والعمل ضمن فريق، لا الاستفراد بالقرارات أوعدم الانفتاح (النزاع بين عميد كلية الحقوق بوجدة ورئيس الجامعة وصل إلى القضاء-أحد عمداء الكليات لا يستقبل الأساتذة إلا بناء على موعد)،لكن هذه السلوكات لا يمكن تجنبها إلا إذا تم القطع مع المنبع، والمقصود بذلك القطع مع الأسلوب الحالي في اختيار المسؤولين الجامعيين، حيث يتم المساس بالمنافسة الشريفة وبمبدأ تكافؤ الفرص، من خلال فبركة اللجان العلمية على مقاس بعض المرشحين الجاهزين والنافذين والمتمسحين بأوليائهم دون الاعتماد على كفاءتهم ورصيدهم المعرفي وإنتاجهم العلمي، ومصداقية وجدية مشروعهم الجامعي...، وأضحت بالتالي الجامعة كالجماعة المحلية، وانتقلت بالتالي عدوى فبركة الخرائط الانتخابية إلى صنع المسؤلين الجامعيين ومن طرف" لجان علمية"، لا بد من طرح إشكالاتها أمام الرأي العام ، للتفكير في مراجعتها، إذ كيف يمكن لممثل المحيط الخارجي-وهو عضو لجنة الانتقاء بحكم القانون- وقد يكون حاصلا على الإجازة،ولا تربطه صلة بالجامعة أن يقيم عملا جامعيا لأستاذ حاصل عن دكتوراه الدولة ؟ وما السر في تكرار تواجد بعض الأسماء ضمن عديد من اللجان وفي مختلف مباريات الانتقاء التي تنظمها الجامعات؟

ويبقى طرح انتخاب المسؤول الجامعي(رئيس الجامعة،عميد كلية،مدير مدرسة عليا أو معهد) من طرف الأساتذة هو البديل، وهو مطلب نقابي كذلك ، إضافة إلى إقرار منهجية للمراقبة الداخلية والخارجية على التدبير المالي، وعلى تنفيذ مشاريع تطوير المؤسسات الجامعية، ولو كانت هذه الأخيرة معتمدة لما تجاسر رؤساء الجامعات السابقين، والذين انتهت ولاياتهم -ثماني سنوات- كأقصى حد، إلى التماس فتوى الأمين العام للحكومة للي عنق القاعدة القانونية والتحايل عليها من خلال السماح لهم للترشح من جديد في جامعات أخرى،ورغم أن الفتوى كانت حاسمة لوضوح النص، فهذا لم يمنع أحد رؤساء الجامعات السابقين من التقدم بملف الترشيح إلى جامعة أخرى ؟ فكيف يستقيم الظل والعود أعوج في ظل غياب منهجية تأسيسية ديمقراطية،وكيف يمكن للجامعة أن تلعب دورها الريادي المجتمعي وأجهزة تسييرها تتمسح بمشايخها و أوليائها لا بجودة مشاريعها ؟

وداخل الجسم"الأستاذي"،-مسؤولا إداريا أو تربويا- فينبغي تحسين الوضعية المادية للأستاذ من خلال الإسراع بملفات الترقية وإقرار نظام الحوافز تشجيعا للبحث العلمي والكفاءات، اعتمادا على معايير دقيقة وذات مصداقية وشفافة، والاهتمام بالبعد الاجتماعي والإنساني للأستاذ، على الأقل تأمين عمله ضد مخاطر التنقل وحوادث الشغل.



ثالثا: على مستوى الموظفين



يساهم الموظفون والأعوان العاملون في تأمين السير العادي والوظيفي للمؤسسات الجامعية ، وإن هذه العينة من الموظفين لفي حاجة إلى التقدير والامتنان، لكونها تعمل في ظل قطاعات اجتماعية وثقافية وفكرية ، ولذا يفترض في هذه الشريحة من الموظفين أن تكون متشبعة بالهاجس التربوي، ومؤمنة بفضل البحث العلمي،ومنخرطة في النهوض به والدفع بتقدمه وهي تسلم بقدرها، وتؤمن في عملها بأنها بعيدة ، وإلى حد ما عن المثالب والعيوب التي تنخر جسد الإدارة المغربية (رشوة، بيروقراطية وسوء التسيير)، وبهدف تكريس تحصين هذه الشريحة من الموظفين ،وتدبير أمورها بشكل جيد. فينبغي العمل على تحسين شروط عملها، بدءا بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وإقرار سياسة التحفيز اعترافا بمجهوداتها ،وعربونا على إقرار مبادئ الشفافية وقواعد العدل والإنصاف، وإقامة مناخ ملائم للاشتغال، والعمل على مساعدتها ، واستغلال كل المناسبات للاعتراف -علنيا- بتضحياتها، ولما لا التخفيف عنها، بالنظر لقلة عناصرها من خلال ضخ عناصر جديدة في صفوفها ،والاستفادة من التكوين المستمر والتداريب وإعادة التأهيل.

ويبقى على الموظفين العاملين بمصالح المؤسسات الجامعية،وخاصة أولئك الذين يقع على عاتقهم مسؤولية خدمة الطلبة أن يعملوا على جودة الأداء، بدءا ب :

- تحسين جهاز استقبال الطلبة وعموم المرتفقين ، فالاستقبال بمثابة بطاقة تعريف الإدارة ككل فالاستقبال يعد بمثابة مدرسة للحياة الاجتماعية ،وهو مؤسسة وسيطة لخلق شراكة مع الطلبة بالتحديد.

- إيجاد سبــل وقنوات الحوار الجاد والشفاف،وهو خير وسيلة للتعرف على آراء الغير ، فالحوار هو قدرة على الاستماع، كما هو قدرة على الحديث ، والمحاور الجيد هو المستمع الجيد ، وإذا كان الاستماع من الخصال الأساسية التي تسهل بشكل مباشر الاتصال والتواصل، فينبغي أن ينصب على ما هو أساسي بالأساس، والفهم الجيد لما قيل، إضافة إلى خلق شبكة اتصال هامة وخاصة مع كل المخاطبين والمحيط الخارجي (علبة الاقتراحات والإعلانات، والمواقع الالكترونية...). ، إضافة إلى تبسيط المساطر.

- تطوير أساليب العمل والتخفيف من الشكليات، وبالتالي توظيف وتعبئة الاستفادة من مختلف وأحدث وسائل النجاعة والفعالية في التدبير ، قصد التحكم في العمل بدقة وضبط التخطيط والبرمجة، التي تقحم البعد الزمني وعامل الوقت في هذه المعادلة، من خلال التدبير والاستثمار الجيد للوقت فيما هو نافع وإيجابي ، فالوقت هو الحياة ( يلاحظ أحيانا أن ما هو أساسي يكون حظه من الوقت قصيرا ودونه يتخذ وقتا طويلا).

فالكل مدعو لإقرار تعاون مشترك وتضامني بين كل الفاعلين والفرقاء، ونهج سياسية تواصلية بين مختلف مكونات الجامعة،فالتواصل-للتأكيد- يعبر عن الشخصية الانفتاحية ،والقدرة على فهم دوافع واحتياجات الآخرين.

وهذه كلها أعمال وسلوكات تقام تحت مسؤولية القيمين على الجامعة ومؤسساتها، فما يجب على الأساتذة والطلبة والموظفين إنما يتم تحت مسؤوليتهم. وإن تدبير الجامعة والتفاعلات القائمة بين مكوناتها، فهي تتم تحت إشرافهم، وتنطبع بشخصيتهم، وتعتمد على إيمانهم بالعملية البيداغوجية وبخدمة قضايا الوطن والمواطنين، والمساهمة في تدبير الشأن العام، خاصة إذا كان هذا الأخير من طينة المنتوج الجامعي ومن فصيلة الجامعييـن، وهو ما يحتم الاشتغال ضمن فريق في إطار حكامة تشاركية، فنجاح المسؤول عن التدبير يتوقف على طبيعة الأشخاص العاملين معه، ومن ثمة ضرورة العناية بالعنصر البشري، لأن الإدارة هي إدارة أشخاص لا إدارة أشياء .وان أفضل وسائل التنظيم والتسيير لا تحقق الأهداف المرجوة عند إغفال أو تجاهل العنصر البشري. وينبغي أن ينصب التنسيق للمساعدة على حل المشاكل ودراستها لتحقيق أفضل استقلال، وتوظيف أنجح الطاقات،والوعي بالمهام والمسؤوليات وإقرار سياسة انفتاحية في سبيل خدمة التنمية المستدامـة.بخلق تواصل دائم مع مختلف أطراف المعادلة الجامعية (أساتذة وطلبة وإداريين)، ولا يخفى على أحد دور التواصل في خلق التماسك بين الأطراف وبناء العلاقات العامة ، إذ يمكن هذا التواصل من التفكير معا، والرؤية معا، والعمل معا، لتحقيق التماسك والانسجام عبر امتصاص المشاكل، والتوافق على الحلول، وبالتالي تحقيق الأهداف المشتركة ،وجعل الجامعات فضاءات فعلية لنشر المعرفة والثقافة والتعليم بقيم راسخة ، لتأهيل المغرب إلى غد أفضل وعلى كافة المستويات.



على سبيل الخـــتم

يبدو مما سبق أن المؤسسات الجامعية تطلع بدور طلائعي في النهوض بالقطاع التعليمي في شقه العالي، ويقع على عاتق الفاعلين فيها حمل الرسالة التربوية النبيلة للمساهمة في التقدم المجتمعي. وتتبيث موضع قدم البلاد على أرض الرهانات والتحديات العالمية، وهو مايطوق الموارد البشرية، وخاصة أولئك المدبرين والمسؤولين على الشأن الجامعي بمسؤولية مجتمعية وحضارية، بل تـاريخيـة، للارتقاء بالتعليم العالي للعب الدور الأساسي في دعم وتكريس تقاليد البحث العلمي، وجعل الجامعة مشتلا للفعل التربوي والثقافي، واعتماد جودة التكوين ونوعيته لاستقطاب الطلبة إلى المدرجات وتوجيههم حتى في عوالمهم الافتراضية، لتأهيل الشباب في الحياة العملية، وبالتالي إدماج المؤسسة الجامعية في محيطها الاقتصادي والاجتماعي، والتلاؤم مع مشروع الجهوية الموسعة وورش الإصلاح الدستوري، والمساهمة بالنتيجة في تأهيل الاقتصاد وتقدم البلاد، وتحديث المجتمع عبر سبك المواطن الجيد والصالح.

*أستاذ بكلية الحقوق بمكناس





الخميس، مارس 31، 2011

علاقة الأغلبية والأقلية المنتخبة في ضوء التنظيم الجماعي :رسم مظاهر التوتر

د أحمد حضراني

يندرج المنتخبون ضمن المؤسسات التداولية المنتخبة لتدبير الشأن العام المحلي بشكل ديمقراطي تبعا لأحكام الفقرة الأولى من الفصل 101 من دستور 13 شتنبر 1996، والتي تنص على ما يلي :"تنتخب الجماعات المحلية مجالس تتكلف بتدبير شؤونها تدبيرا ديمقراطيا طبق شروط يحددها القانون".

ويعد المنتخبون هم أجدر وأقدر الأشخاص للتعبير عن طموحات وآمال المواطنين، لكونهم مصدر ومرجعية مشروعيتهم، ومنهم وإليهم ينتمي المنتخبون، إلا أن اللعبة الديمقراطية داخل المجالس التداولية-الجماعية- تقتضي وجود أغلبية وأقلية، وضمن الأغلبية هناك من المنتخبين من تناط به مهمة التسيير والمساندة، في حين قد تكون الأقلية معارضة، وتبعا لذلك، فالأغلبية والأقلية هما وجهان لعملة المؤسسة التداولية، ولازمتان لا مناص منهما للممارسة الديمقراطية الجماعية، إذ يتعذر الخوض عن الأسلوب الديمقراطي المنتهج محليا اعتمادا على الأغلبية العددية فقط، وفي تجاهل تام للطرف الآخر في اللعبة السياسية (أي الأقلية). فوجود هذه الأخيرة ضروري من أجل مراقبة عمل الأغلبية، واستنفار الرأي العام ضدها كلما انتهكا المصلحة العامة، وخرفت بالتالي القوانين المعمول بها ([1]). ولهذا فالعلاقة التي ينبغي رسمها بين طرفي المؤسسة التداولية:الأغلبية والأقلية يجب أن تقوم على التعاون المثمر والعمل الجاد والمسؤول ، لا على التناحر أو التنافر أو التوثر الناجم عن تهميش ولامبالاة الأغلبية للأقلية اعتمادا على النصوص التشريعية أو على الممارسة ذاتها.

فمثلا إذا كان القانون يخول الأقلية هامش المساهمة في تحريك مسطرة التسيير من خلال إجرائية الدعوة لعقد دورة استثنائية والمشاركة في إعداد جدول الأعمال وغيرها، فان تلك الصلاحية ليست مطلقة، بل تزيد من حدودها بنود القانون رقم 00-78.فكيف ذلك؟



أولا: إجرائية الدعوة لعقد دورة استثنائية والمشاركة في إعداد جدول الأعمال



تنص المادة 58 من القانون رقم 00-78 على الإمكانية المخولة للأقلية لأجل الدعوة إلى عقد دورة استثنائية إضافة إلى أطراف أخرى: يستدعي الرئيس، كلما دعت الظروف إلى ذلك، المجلس لعقد دورة استثنائية، إما بمبادرة منه أو عندما يتلقى طلبا مكتوبا في هذا الشأن من السلطة الإدارية المحلية المختصة أو من ثلث الأعضاء المزاولين مهامهم يكون مرفقا بالمسائل المزمع عرضها على المجلس. ، وهذه مناسبة قد ينتهزها الثلث المشكل للأقلية كفرصة لانتقاد تسيير الأغلبية، والكشف بالتالي عن عيوب ذلك، ولكن ليس هناك ما يلزم الرئيس. لاستجابة لطلب الأقلية، وفي ذلك تهميش للمستشارين المحسوبين عليها ([2])، خاصة وأن المادة الثامنة والخمسين – السالفة الذكر- قد اقترحت قيدا إضافيا على طلب الدعوة لعقد دورة استثنائية، والذي ينبغي أن يكون مرفقا بالمسائل المزمع عرضها على المجلس، وهذه العبارة فضفاضة وعامة مما لا شك فيه، وتخدم السلطة التقديرية للرئيس في رفض الاستجابة لعقد دورة استثنائية، من مبادرة الأقلية المعارضة.

وبالرغم من الإمكانية المتاحة لأعضاء المجلس في اقتراح بعض النقط، قصد إدراجها ضمن جدول أعمال الدورات فإنها، لم تخل من بعض الحدود ، كما أنها خضعت للتطور، فللتذكير فان الفصل السادس عشر من ظهير 30 شتنبر 1976 كان يتيح لكل مستشار أن يقترح على الرئيس أن يدرج كل مسألة تدخل في اختصاصات المجلس، ويحصر الرئيس حينئذ جدول الأعمال النهائي، ويوجهه إلى السلطة المحلية المختصة، وإذا كان بإمكان الرئيس أن يغض الطرف عن النقط المقترحة من طرف المستشارين المحسوبين على الأقلية المعارضة ،وغير المرغوب فيهم، والذين من شأن اعتماد اقتراحاتهم أن تكشف عن عيوب التسيير، وتجلب المتاعب للرئيس، فالملاحظ في هذا الصدد أن امتناع المنتخبين بشكل عام وبأغلبيتهم وبأقليتهم عن احترام آراء بعضهم البعض وعدم الإيمان بالاختلاف والتنوع وعدم التقيد بمقومات الديمقراطية من خلال عدم نفي الأغلبية للأقلية، أو تجاهل مواقفها وأفكارها في النقد، وبالتالي الكشف عن مواطن الضعف من شأنه أن يردي إلى افتقاد الأغلبية لمقوم أساسي وحقيقي للتسيير التداولي ([3]) ، وفي ذلك نفي للأغلبية ذاتها )[4](.

وإذا كانت أحكام المادة التاسعة والخمسين من القانون رقم 00-78 قد حاولت التلطيف من حدة تجاهل الأغلبية للأقلية من خلال تقنية إعداد جدول الأعمال بتنصيصها على "...تقديم المستشارين بصفة فردية أو جماعية لطلب كتابي قصد إدراج بعض النقط ضمن جدول الأعمال تدخل في اختصاصات المجلس، فإن رفض تلك النقط يجب أن يكون معللا، ويبلغ الرفض فورا إلى الأطراف المعنية، كما يتعين أن يتلى هذا الرفض أمام المجلس عند افتتاح الدورة ليحاط علما بذلك، ودونما مناقشة. مع التدوين الإلزامي لذلك بمحضر الجلسة ".



ورغم هذه الضمانة الإيجابية التي منحها المشرع للمستشارين المحسوبين على الأقلية، والتي قد تكون معارضة، وتطمع لانتهاز فرصة عقد الاجتماعات العامة لبسط وجهة نظرها، والتي قد تحرج الرئيس والأغلبية المساندة له. لكن هذه الجدولة-الضمانة المخولة للأقلية تظل عديمة الأثر ما دام الرئيس يحصر جدول الأعمال النهائي دائما، وما دام تعليل رفض اقتراحات نقط الأقلية سهلة المنال، ويمكن تبريره بأي سبب، يصرف النظر عن وجاهة وحجم قوة حجية الرفض ، وكان بالأحرى اقتراح جهاز محايد للفصل في هذه المسألة، وفي النقط المتنازع حولها ضمانا لحقوق تراعي التوازن بين طرفي العلاقة التداولية: الأغلبية والأقلية )[5] (، خاصة أن المشرع قد خول للرئيس أو السلطة الإدارية المحلية المختصة أو ممثلها الذي يحضر الجلسة صلاحية معارضة أي نقطة خارجة عن جدول الأعمال وتحت طائلة البطلان )المادة ( 59 ، وبذلك فإن المستشار المحسوب على الأقلية، والذي رفضت نقط جدول أعماله. فليس بإمكانه كذلك توجيه ملتمس إلى بعض الدوائر المعنية أو إثارة الانتباه إلى سلوك إداري مشين أو غيره. ولم يبق في هذا الصدد للمستشار إلا استغلال نقط نظام لتمرير بعض التدخلات، أو إيصال بعض الأفكار علما أن هناك فرق بين التدخل ونقطة النظام )[6]. (

ثانيا-سلطة الرئيس في ضبط الجلسات العامة:

يعتبر الرئيس سلطة ضبطية للحفاظ على النظام العام أثناء سير أعمال الجلسات العامة خلال دورات المجلس. وقد أكدت المادة الثالثة والستين من القانون رقم 00-78 ذلك، وبشكل عام، إزاء الحضور أو بشكل خاص إزاء الأعضاء، وهذا ما يستشف من أحكام المادة المذكورة :

"ويسهر الرئيس على النظام أثناء الجلسات. وله الحق في أن يطرد من بين الحضور كل شخص يخل بالنظام. ويمكنه أن يستدعي السلطة الإدارية المحلية للتدخل فيما إذا تعذر عليه العمل مباشرة على احترام النظام.لا يجوز للرئيس طرد أي عضو من أعضاء المجلس الجماعي من الجلسة. غير أنه يمكن للمجلس أن يقرر دون مناقشة بأغلبية الأعضاء الحاضرين، طرد كل عضو من أعضاء المجلس من الجلسة يخل بالنظام ويعرقل المداولات ولا يلتزم بمقتضيات القانون والنظام الداخلي، وذلك بعد إنذاره بدون جدوى من قبل الرئيس".

.و اد يفترض مبدأ انضباط المستشار الذي يمثل السكان، ويحظى بثقتهم، ويتمتع بالتالي بمشروعية ديمقراطية ورصيد شعبي، فإن طرده مسألة غير مستساغة، وتساهم في تعقيد الأمور أكثر من حله، وخاصة أن إمكانية الطرد المتاحة للمجلس، تخدم الأغلبية المسيرة أو المساندة للرئيس، وقد تستهدف عضوا ينتمي إلى الأقلية المعارضة، بل كان من الأفضل والملائم اقتراح بديل آخر مبني على التحلي بنوع من التفهم والتحمل من لدن كل الأطراف بالتنصيص على إجراء توقيف الجلسة بواسطة الرئيس كأحسن أسلوب يمكن إتباعه في هذا الشأن، بل إن التنصيص على طرد المستشار من شأنه أن يؤزم، إن طبق، من وضعية أولئك المستشارين المحسوبين على الأقلية المعارضة ،ويعمق من هامشيتهم. علما أن المادة الثالثة والعشرين من القانون الجماعي قد منعت على كل عضو من المجلس الجماعي باستثناء الرئيس والنواب أن يزاول خارج دوره التداولي داخل المجلس أو اللجان التابعة له، المهام الإدارية للجماعة أو أن يوقع على الوثائق الإدارية أو يدير أو يتدخل في تدبير المرافق العمومية الجماعية، وذلك تحت طائلة العزل ودون الاخلال بالمتابعة القضائية .

فهذه المقتضيات تمنع على الأعضاء سواء كانوا محسوبين على الأقلية أو الأغلبية باستثناء أعضاء المكتب المساهمة في التسيير، واقتصار دورهم فقط في الكلام أثناء الاجتماعات العامة، والقابلة لطردهم منها كما سلف الذكر، مما سيضيف تعاسة ووضعية كئيبة على المستشار، وخاصة ذلك المحسوب على الأقلية-المعارضة، والذي انتخب بواسطة السكان من أجل تمثيلهم وقضاء مآربهم والنيابة عنهم في تدبير الشأن العام المحلي، ولم ينتخب من أجل أن يهمش قانونا وعملا.

ويقتصر وجوده على ضمان النصاب القانوني للأغلبية العددية- الحسابية .

وبناء على ما سبق يلاحظ أن علاقة الأغلبية بالأقلية داخل المجلس الجماعي كما صاغتها الأحكام التشريعية السالفة الذكر ،قد تساهم إن طبقت وفي جانبها أو مسحتها الأمنية في وأد الديمقراطية المحلية واللامركزية، فالجماعات المحلية بمثابة مدرسة، وهي تدير للحرية ما تدبره المدرسة للعلم، كما قال بذلك أليكس دوتوكفيل، وهذه الحرية المطوقة الأقلية التي تدعو لدورة استثنائية إلا بناء على طلب معلل واقتراحاتها المتعلقة بنقط جداول المؤطرة كذلك، وتخويلها فقط حق الكلام داخل الاجتماعات العامة والقابلة للحد منها من خلال إمكانية طرد المستشار والمحرم عليه التسيير تحت طائلة البطلان، وفي ذلك تضييق من الحرية التمثيلية للمستشارين وإخلال بمبدأ توسيع قاعدة الحكامة التشاركية في التسيير، وعدم دمقرطة هذا الأخير، وبالتالي خرق حتى للفصل 101 من الدستور، والذي ينص على التدبير الديمقراطي للمجالس التداولية، والنتيجة هو انعدام أو ضعف جسور التواصل بين طرفي المؤسسة التداولية الجماعية، و الانغلاق على الذات واستحكام العداء داخل صفوف المنتخبين، وسيادة سلوك الانفعال وعدم امتصاص الأزمات، وهذه العيوب والتناحرات والتوترات تنعكس سلبا على التنمية المحلية ،والتي لا أحد يرغب فيها سكانا ومستشارين وموظفين وعليه ينبغي بناء ومأسسة علاقة قائمة في البداية على نزاهة صناديق الاقتراع.

- طغيان ثقافة الصالح العام عوض روح الغنيمة والمكاسب الخاصة.

- تخليق الحياة العامة، وإقرار تسيير ديمقراطي وشفاف ومرن، وليس متحجرا أو منغلقا على أعضاء المكتب، وقد يكونوا عديمي الكفاءة وبالتالي المساهمة في خلق نخب محلية محدودة.

- وجود سلطة وصاية مدبرة ومشاركة في تدبير الشأن العام المحلي وليس معرقلة أو حيادية أو موجهة للانتخابات والأشخاص والسلوك.



* تحوير وتنقيح لمقال نشر بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد32 –مواضيع الساعة.2001 .

--1 - المصطفى دليل، "المجالس الجماعية وعلاقاتها العامة" منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 3، 1995.

[2] أحمد حضراني "المنتخب الجماعي وصعوبات التسيير" ، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 29 أكتوبر دجنبر 1999، ص 60.

[3] المصطفى دليل،م.س.80، وحماد صابر، الجماعة المحلية والتعددية السياسية، حصاد التجربة"، مجلة القانون والاقتصاد: العمل الجماعي عدد 15،1998،ص32.

[4] أحمد حضراني، المنتخب الجماعي وصعوبات التسيير، م.س.ص16.

[5] - أحمد حضراني، قراءة-أولية- في مشروع تعديل التنظيم الجماعي رقم 78.00(مشروع الصيغة الأولى)ـ، جريدة الأحداث المغربية في 19 مارس 2001، ص19.

[6] - من ظهير 1976 على الإمكانية محولة لثىثة من أعضاء المجلس للدعوة لعقد اجتماع سري، وغالبا ما تستغل من طرف مستشاري ------لأنه ليست من مصلحة لأقلية معرفة عقد دورة سرية لا يحضرها الجمهور المؤجج أحيانا بانتقادات الأقلية والمتحمس لها.(وهذا ------- 63 من مشروع تغيير ظهير 1976)

m/file/d/18u0lrV6S7dJtv4VKLIeOHGaTyfg5Gl1Q/view?fbclid=IwAR05dXPvw6R2qzJ7IOgNQFnIaL2LHODJdB7AxN62aEFbr2jx64DVKXbeT08